جهد ترتيبي لإحياء قلب قسنطينة التاريخي
أعلنت مصالح ولاية قسنطينة عن إعداد دراسة شاملة من شأنها أن تشكل الإطار التقني والإداري لإطلاق أشغال ترميم وتهيئة المدينة القديمة المصنفة، التي شهدت إهمالاً واسعاً خلال السنوات الماضية وأثّر ذلك على مظهر بنيانها وهويتها العمرانية.
تأتي هذه المبادرة بعد تسجيل تدهور في عدد من الأزقة والشوارع والمباني داخل المدينة القديمة، وهو تدهور عزاه المتابعون إلى تنفيذ عمليات ترميم سابقة «بعشوائية وارتجال» وضمن آجال قصيرة، أبرزها الأعمال التي تمت على هامش فعاليات إعلان قسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015، إذ ظهرت عيوب تقنية في تلك الأشغال بعد وقت قصير ولم تحترم فيها جودة الإنجاز.
مقاربة متدرجة والتزام بالمعايير
أفادت مصالح الوالي أن الدراسة التي تُجرى تستهدف وضع مخطط عمل يسمح بتسريع إطلاق الأشغال مع ضمان متابعة مستمرة حتى تجسيد المشاريع وفق المعايير المعتمدة. وستشمل هذه المقاربة:
- تقييم أشغال الترميم والتهيئة السابقة، ولا سيما الحصة الثانية من الأعمال.
- إعداد ملفات تقنية وإدارية مكتملة قبل بدء الأشغال الفعلية.
- التنسيق مع مكاتب دراسات مختصة ومصنفة لمهمة المتابعة والإشراف.
- التركيز على صون الطابع التاريخي والهوية العمرانية للمدينة القديمة.
كما أوضحت المصالح الولائية أن عملية الترميم ستشدد على احترام المعايير المعمارية التاريخية المتعلقة بمنظومة الواجهات والمفاصل الحضرية والعناصر المعمارية التقليدية لضمان استدامة المداخل والعمران التراثي.
أحياء مستهدفة وانعكاسات سكنية
تضم المدينة القديمة عدة أحياء تاريخية وصفها البيان الولائي بأنها جزء من «قلب قسنطينة» وهي مناطق أُشير إليها ضمن نطاق الدراسة ويتعلق الأمر على الخصوص بأحياء السويقة، والقصبة، ورحبة الصوف، والرصيف. وقد سجلت السلطات غياباً نسبياً للسكان في بعض تلك الأحياء بسبب هجرة عائلاتٍ إلى إسكانات جديدة بمدينة علي منجلي.
ويرى القائمون أن إعادة الاعتبار إلى هذه الأحياء لا يقتصر على البنية العمرانية فحسب، بل يمتد إلى استعادة ديناميكية سكنية واجتماعية واقتصادية داخل النسيج الحضري القديم لتجنّب تحولها إلى فراغ حضري يفتقد للحياة اليومية.
أخطاء الماضي وإجراءات تصحيحية
أشارت الوثائق إلى تجميد عدة مشاريع أخرى بسبب انطلاقها الأخير وتداعيات الضائقة المالية التي مرّت بها البلاد، ما أجبر على إعادة قراءة الملفات التقنية والتخطيط المالي قبل استئناف الأشغال. كما لفتت إلى أن بعض عمليات التهيئة السابقة نفذت بسرعة أدت إلى نتائج غير مرضية تتطلب اليوم معالجة النواقص المسجلة.
ومن بين الإجراءات التي أعلنت عنها مصالح الولاية: إجراء تقييم دقيق للأشغال المنجزة، وتدوين النقائص خلال الخرجات الميدانية، ثم اعتماد خطة تصحيحية تضمن معالجة هذه الاختلالات قبل الانطلاق في دفعات جديدة من الترميم.
تنسيق مؤسساتي ومكاتب دراسات
أكدت مصالح ديوان الوالي أن العملية ستُشرف عليها مكاتب دراسات متخصصة ومصنّفة، موكلة لها مهمة متابعة وإشراف عمليات الترميم لإحكام الضبط الفني والتقني وعدم تكرار الأخطاء السابقة. وسيشمل ذلك مراجعة الدراسات المعمارية والتاريخية للحفاظ على الذاكرة العمرانية للمدينة.
| العنصر | الحالة الحالية | النهج المقترح |
|---|---|---|
| الأزقة والشوارع | تدهور ونقص في الصيانة | تقييم وإعادة تهيئة وفق معايير معمارية |
| المباني التاريخية | أعمال ترميم سابقة متفرقة وبجودة متفاوتة | ترميم منسق بإشراف مكاتب دراسات |
| الحياة السكنية | تراجع عدد الأسر المقيمة | إجراءات تشجيعية لاسترجاع العائلات والأنشطة |
أثر محلي وإجراءات عملية
يعول القائمون على أن تضع هذه الدراسة نهاية لأسلوب التدخل الجزئي والعشوائي، عبر إرساء آلية واضحة تضمن تقدماً منظماً للأشغال واحترام المعايير المعتمدة للحفاظ على الطابع التاريخي للمدينة. وتشكل المدينة القديمة بقلعتها وواجهاتها التراثية جزءاً من الذاكرة الحضارية لقسنطينة، ولذلك يعتبر الملف ذا أولوية لدى السلطات المحلية.
وسيبقى مفتاح النجاح مرتبطاً بقدرة المصالح على التأمين المالي للمشاريع، والتنسيق الوثيق مع مكاتب الخبرة، ومراعاة مصالح الساكنة المحلية لضمان استقرارهم وعودتهم إلى الأحياء القديمة ضمن مشروع حضري متكامل.