تحوّل صندوق سيادي سوري أنشئ العام الماضي إلى لاعب محوري في المشهد الاقتصادي بدمشق، بعد أن ضمَّ محفظة واسعة من الأصول تقدر قيمتها بحوالي 50 مليار دولار، تشمل شركات ومصانع ومراكز تجارية وحصصاً في بنوك وممتلكات عقارية، إضافة إلى أصول صودرت من شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، وفق تحقيق نشرته صحيفة فايننشال تايمز واستعرضته تقارير صحفية.
صندوق بملف يمتد عبر قطاعات عدة
يشير التحليل إلى أن تنوع أصول الصندوق يمنحه قدرة انتقائية في اختيار شركاء الاستثمار والمشروعات التي سيدخلها. وتُظهر المحفظة حضوراً في قطاعات العقارات والصناعة والاتصالات والقطاع المصرفي، وهو ما يمكن الدولة من الحفاظ على نفوذ داخل المشاريع الجديدة حتى بعد إشراك مستثمرين خارجيين.
- حجم المحفظة: نحو 50 مليار دولار، وفق تصريحات وزير المالية السوري.
- نطاق الأصول: مصانع، مراكز تجارية، عقارات وحصص مصرفية.
- اليد العاملة: الشركات المصنفة ضمن نشاط الصندوق توظف أكثر من 40 ألف شخص، وفقاً لتصريحات الصندوق.
رغم هذه الأهمية، لم ينشر الصندوق حتى الآن قائمة مفصلة بأصوله أو بيانات مالية رسمية، كما لم تُعلن هوية مديره التنفيذي عبر القنوات الرسمية أو على موقع الصندوق.
الصندوق كآلية لاستقطاب رؤوس الأموال
تُرى المؤسسات الحكومية الصندوق ليس مجرد وعاء لحفظ الأصول المصادرة، بل بوابة تستخدمها دمشق لإدخال مستثمرين أجانب إلى قطاعات تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة، مع الاحتفاظ بنسبة من النفوذ داخل المشروعات. وتعتبر هذه الصيغة وسيلة لتخفيف مخاطر المستثمرين الخارجيين من جهة، وللحفاظ على مصالح الدولة من جهة أخرى.
وتبرز صفقة منح رخصة تشغيل لشركة اتصالات خليجية مثالا عملياً على نموذج الشراكة الذي يعتمده الصندوق: فقد فازت الشركة الكويتية "زين" برخصة تشغيل شبكة اتصال للهاتف في سوريا لمدة 20 عاماً مقابل 747 مليون دولار، وتمتلك المجموعة الكويتية 75% من الشركة المشغلة الجديدة بينما تبلغ الحصة السورية 25%.
| البند | المعلومة |
|---|---|
| قيمة الأصول المجمعة | 50 مليار دولار (تقدير وزير المالية السوري) |
| عدد الموظفين في شركات الصندوق | أكثر من 40 ألف موظف |
| مثال شراكة | رخصة تشغيل اتصالات لشركة "زين" مقابل 747 مليون دولار |
وصف ثائر اللحام، المدير العام لمجلس الأعمال السوري، الصندوق بأنه الكيان "الأكثر تأثيراً" اقتصادياً و"الأكثر ثراءً" في البلاد في الوقت الراهن.
انعكاسات محلية وإقليمية
يسهّل هيكل الصندوق للسلطات السورية التحكم في هوية المستثمرين الذين يدخلون السوق، وهو عامل حساس في مرحلة تحاول فيها دمشق استقطاب رؤوس الأموال اللازمة لإعادة بناء اقتصاد أُنهكته سنوات النزاع والعقوبات. وقد يؤدي هذا التوجه إلى فتح قنوات استثمارية أمام شركات خليجية وإقليمية، مقابل تنازلات في نسب الملكية والإدارة وتقديم ضمانات تشغيلية وأمنية.
لكن غياب الشفافية حول تركيبة المحفظة وهويات مديريها وقوائم أصولها المالية يثير تساؤلات حول الرقابة ومحاسبة الأداء، بالإضافة إلى تأثيرات هذا التركيز الكبير للثروة والقدرة الاستثمارية تحت مظلة كيان واحد على المنافسة في الأسواق المحلية.
مآلات ومخاطر
يعتمد نجاح نموذج الصندوق في جذب استثمارات خارجية على عدة عوامل من بينها: استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية، وتخفيف العقوبات الدولية، والقدرة على ضمان حماية حقوق المستثمرين الأجانب داخل بيئة اقتصادية متشابكة مع مصالح الدولة. وفي المقابل، يحمل هذا النموذج مخاطر مركزة تتمثل في تقييد المنافسة واحتكار قطاعات استراتيجية داخل إطار دولة تملك نفوذاً مباشرًا على الشركات.
يبقى التطور المستقبلي لعمل الصندوق مرتبطاً بالإفصاح عن بيانات مالية مفصلة، وإعلان هياكل إدارية واضحة، في وقت تبدو الدولة راغبة في تحويل هذا الكيان إلى أداة مركزية لإعادة تشكيل الاقتصاد السوري وجذب الاستثمارات الإقليمية بعد سنوات من الأزمة.
المعطيات المتاحة حتى الآن تضع الصندوق في قلب معادلات إعادة الإعمار والاقتصاد السوري، ولكنها تطرح أيضاً أسئلة عملية وقانونية وأخلاقية حول إدارة أصول تمّت مصادرتها وعلاقتها بحقوق العمال والمجتمعات المحلية المتأثرة بهذه العمليات.
تقارير مستقبلية متوقعة ستتطلب رصد خطوات الصندوق العملية، الاتفاقات التي سيبرمها، وسلوك المستثمرين الإقليميين تجاه نموذج شراكة يُبقي للدولة الحصة والقول الفصل في قطاعات استراتيجية.