قضاء سوري يعيد تأكيد مبدأ المساءلة الفردية وقواعد الإثبات
أعاد الحكم الصادر عن محكمة الجنايات الرابعة بدمشق بتاريخ 27 أوت الجاري في قضية المتهم عبد الناصر برّاقي إلى الواجهة نقاشات مهمة حول حدود المسؤولية الجنائية الفردية ومستوى الاعتماد على القانون الدولي في توصيف أفعال ارتُكبت خلال نزاعات داخلية. هذا ما أكده فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تعليق نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا).
وصادر الحكم، بحسب ما أفادت به الشبكة، جرائم نسبتها المحكمة إلى المتهم شملت الإخفاء القسري، الحرمان من الحرية، الاشتراك في القتل القصد والتعذيب المفضي إلى الموت، فضلاً عن السرقة بالعنف والافتراء الجنائي. وأشارت الشبكة إلى أن المحكمة اعتمدت القانون الدولي لوصف بعض الأعمال على أنها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، في حين اعتمدت القانون السوري لتحديد العقوبات المقررة.
"صفة «المخبر» لا تشكل أساساً للمسؤولية الجنائية بذاتها"
وجّهت ملاحظات الشبكة التركيز إلى أن إقامة المسؤولية الجنائية لا يجب أن تقوم على الانتماء الوظيفي أو الموقع داخل جهاز أمني فحسب، بل على الأفعال المحددة التي تثبت وفق قواعد الإثبات وقيام القصد والعلم اللازمان قانونياً. واعتبرت أن هذا المبدأ يُعد عنصراً أساسياً في مسارات العدالة الانتقالية لضمان مساءلة فردية قائمة على الأدلة بدلاً من إرجاع المسؤولية إلى مجموعات أو فئات بأكملها.
مقتضيات القانون السوري المعنية ومقاربة القانون الدولي
أوضحت الشبكة أن القانون السوري يتضمن نصوصاً تتناول صور التدخل والمساعدة في ارتكاب الجرائم، مشيرةً تحديداً إلى المادتين 218 و219 من قانون العقوبات كمراجع لتحديد صور التحريض والمساعدة، بما في ذلك تقديم الإرشادات أو المعلومات التي قد تهيئ أو تُسهِّل وقوع الجريمة. لكنها شددت على أن إثبات تقديم المعلومات وحده لا يكفي؛ بل يلزم تحديد مدى قصد المساهم ومعرفته بالنتيجة المحتملة وصلته المباشرة بالجرائم اللاحقة.
وفي هذا السياق، لفتت الشبكة إلى مبادئ القانون الجنائي الدولي التي تقر بأن المساعدة أو التحريض قد تشكل أساساً للمسؤولية الجنائية عندما تكون المساهمة جوهرية ويُفهم من فعل المساهم أنه ساهم في وقوع الجريمة. وشدّدت على ضرورة تطبيق مثل هذه المبادئ أمام القضاء السوري بدقة ووضوح لضمان عدالة فعلية.
دلالات الحكم وأثره
رأت الشبكة أن أهمية الحكم لا تنحصر في العقوبة الفردية، بل في أنه يفتح باباً قانونياً أوسع لبحث كيفية مساءلة الأفراد الذين شاركوا في منظومة الانتهاكات من دون أن يكونوا من كبار الضباط أو من مارسي التعذيب والقتل بشكل مباشر. وأشارت إلى أن منظومة القمع السابقة، بحسب توصيفها، لم تكن محصورة في كبار القيادات فحسب، بل اعتمدت على شبكة واسعة من الفاعلين بين من يجمع المعلومات ومن يكتب التقارير ومن ينفذ الاعتقالات ويُخضع الأشخاص للتحقيق والتعذيب.
من زاوية ميدانية، يُبرز هذا الحكم الحاجة إلى معايير واضحة لإثبات مساهمة الأفراد في جرائم خطيرة، ومقتضيات حماية القواعد القانونية لضمان عدم تحويل المساءلة إلى ذريعة للمحاسبة الجماعية أو الانتقام السياسي. كما يضع أمام المحاكم المحلية تحدياً في ترجمة مبادئ القانون الدولي إلى أحكام قابلة للتنفيذ ضمن الأطر التشريعية الوطنية.
| الوقائع/التهم | التوصيف القانوني وفق التقرير |
|---|---|
| الإخفاء القسري، الحرمان من الحرية، التعذيب المفضي إلى الموت | وصفتها المحكمة جزئياً على أنها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية |
| السرقة بالعنف، الافتراء الجنائي | أدرجت ضمن الجرائم الموجّهة وفق التشريع السوري |
- الحكم يضع سؤال المسؤولية الفردية في صلب المساءلة القانونية.
- القانونان السوري والدولي مطروحان للقياس عند تحديد طبيعة الجرائم والعقوبات.
- إثبات المساهمة يتطلب تحديد القصد ومدى علم الفاعل بالنتيجة المحتملة.
يبقى الحكم، بحسب تحليل الشبكة، نقطة انطلاق لنقاشات أوسع حول كيفية ضمان مساءلة عادلة وفعّالة لكل من ثبتت مسؤوليتهم بمقتضى الأدلة والمعايير القانونية، بعيداً عن وصْم فئات بأكملها. وتقدّم القضية مثالاً يُحتذى به أو يُستفاد منه في سياقات أخرى تبحث عن توازن بين الحق في العدالة وضرورة الالتزام بمبادئ القانون الدولي والمحلي على حد سواء.