على مدرج يطلّ على البحر من جهة وتحت ظلال جبال قبائلية شاهقة من جهة أخرى، انطلقت، اليوم الثلاثاء بولاية بجاية، أعمال الملتقى الدولي الموسوم «ثقافة المقاومة بين التاريخ والذاكرة والمخيال»، تزامناً مع تخليد اليوم الوطني للمجاهد وإحياء الذكرى المزدوجة لهجومات الشمال القسنطيني وانعقاد مؤتمر الصومام.
افتتاح رسمي وبرنامج علمي يمتد لثلاثة أيام
أشرف على افتتاح الملتقى وزير المجاهدين وذوي الحقوق، عبد المالك تاشريفت، في قاعة المحاضرات «بوعلام سعيداني» بالقطب الجامعي أبوداو التابع لجامعة عبد الرحمان ميرة، بحضور مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالشؤون السياسية والعلاقات مع الشباب والمجتمع المدني والأحزاب السياسية، مصطفى صايج، ورئيس السلطة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، سمير بورحيل، إلى جانب ممثلين عن قطاعات مختلفة والسلطات المحلية وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد في الجزائر لدول شقيقة وصديقة.
يُقام هذا اللقاء على مدار ثلاثة أيام، من 18 إلى 20 أوت، بتنظيم مشترك بين المحافظة السامية للأمازيغية ووزارة المجاهدين وذوي الحقوق والمديرية العامة للأرشيف الوطني، وبمرافقة مصالح ولاية بجاية، كما تساهم في التنظيم اللجنة الوطنية للتاريخ والذاكرة.
مشاركون ومداخلات متعددة الجنسيات
يشارك في الملتقى عدد من الأساتذة والباحثين من جامعات وطنية وأجنبية. تضمنت لائحة الدول المشاركة:
- غامبيا
- إيطاليا
- إسبانيا
- فرنسا
- بلجيكا
- الولايات المتحدة الأمريكية
- الكاميرون
- موريتانيا
- تونس
وتحاول مساهمات الباحثين تسليط الضوء على أبعاد «ثقافة المقاومة» الجزائرية، من حيث امتداداتها التاريخية، وكيف نُقشت في الذاكرة الجماعية، وكيف تشكّل المخيال الوطني والثقافي عبر الأجيال.
جلسات وورشات تنوعت بين التاريخ والأدب والذاكرة
برمج المنظمون عدة جلسات علمية وورشات عمل متخصصة تُعالج محاور مترابطة حول المقاومة والذاكرة. وتشمل هذه المحاور موضوعات نظرية وتطبيقية تتصل بتاريخ الثورة التحريرية وموروثاتها الشفوية والأدبية.
| اليوم | الجلسات الرئيسة |
|---|---|
| اليوم الأول | أشكال المقاومة التاريخية وبناء الهوية |
| اليوم الثاني | مؤتمر الصومام وأسس الذاكرة الوطنية |
| اليوم الثالث | الأدب والذاكرة وتصورات المقاومة |
بالإضافة إلى هذه الجلسات، نُظمت ورشتان تتناولان التقاليد الشفوية والتراث ونقل الذكريات، والشخصيات البطولية وتصوُّرات المقاومة، ما يفتح آفاق نقاش بين المؤرخين والأنثروبولوجيين والأدباء حول طرق حفظ الذاكرة وتحويلها إلى مادة أكاديمية ومجتمعية.
معرض أرشيفي يستعيد مسار المقاومة
وفي إطار فعاليات الملتقى، أشرف الوزير عبد المالك تاشريفت على تدشين معرض بعنوان «المسار التاريخي لمقاومة الشعب الجزائري من خلال الأرشيف: مؤتمر الصومام نموذجا»، من تنظيم المديرية العامة للأرشيف الوطني. يقدّم المعرض مواد أرشيفية توثّق محطات من النضال، ويضع في متناول الباحثين والجمهور أدوات مرجعية لفهم تطور الممارسة النضالية والسياسية خلال فترة الثورة.
على ردهات القاعة، بين همسات البحر وبرد الجبل، تبادل المشاركون أفكاراً حول كيفية توظيف الأرشيف في التربية والبحث العلمي، وكيف يمكن للذاكرة الجماعية أن تُثري الخطاب الوطني دون أن تتحوّل إلى سرد أحادي الجانب.
أهمية الملتقى محلياً ووطنياً
تنظيم هذا الحدث في بجاية، المدينة التي تحتفظ بتراث قوي متصل بالهوية الأمازيغية والمقاومة، يمنح له بعداً رمزياً ومكانياً. فالملتقى لا يقدّم محاضرات جامدة فحسب، بل يسعى لإقامة جسر بين التاريخ المكتوب والذاكرة الشفوية والمخيال الذي يربط الأجيال المعاصرة بماضيها.
ختاماً، يشكّل الملتقى مناسبة لتعميق البحث في الذاكرة الوطنية وإبراز دور الأرشفة والمبادرات المجتمعية في حفظ الذاكرة، مع ترك مساحة للمداخلات الدولية التي تضيف منظوراً مقارنًا للممارسات التذكارية والمناهج البحثية.
من بجاية، على منتصف البحر وصدى الجبال، تتواصل أعمال الملتقى حتى 20 أوت، مترافقةً مع معارض وورشات تسعى إلى تحويل الذكرى إلى مادة علمية وقِيمية تُغذّي الذاكرة الجماعية.