الجزائر تشهد ضمن محيطها الإقليمي موجةً من الانخفاض الحاد في معدلات الإنجاب، وفق بيانات ودراسات تناولت ظاهرة تراجع الخصوبة في دول المغرب العربي. وتأتي هذه التطورات في سياق يُظهر تغييرات اجتماعية واقتصادية تستدعي مراجعة السياسات العمومية المتعلقة بالأسرة والعمل والتمويل.
معدلات الخصوبة والأرقام الإقليمية
أظهرت مقارنة بين دول المغرب العربي أن معدل الخصوبة تراجع إلى مستويات تقلّ كثيراً عما كانت تسجله المنطقة في سبعينيات القرن الماضي. وتظهر الأرقام التالية تفاوتًا بين البلدان الثلاثة وفقاً لما ورد في التقرير:
| البلد | معدل الخصوبة (طفل لكل امرأة) |
|---|---|
| تونس (2023) | 1.58 — متوقع 1.53 في 2024 |
| المغرب | 1.97 |
| الجزائر | 2.61 |
هذه المعطيات تشير إلى أن الجزائر لا تزال تسجّل معدل خصوبة أعلى من جارتَيها، لكنها تتشارك معهما في مسيرة هبوطية لها أبعاد طويلة الأمد.
عوامل متعددة وراء الانخفاض
يربط باحثون عدة أسباب لتراجع معدلات الإنجاب تتراوح بين عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية. من بين هذه العوامل: ارتفاع تكاليف المعيشة، تأخر سن الزواج، امتداد سنوات الدراسة، تزايد الطموحات المهنية للنساء، والرغبة في نمط حياة أكثر استقراراً وهدوءاً. كما أن تغير تصور الأطفال من كونهم «استثماراً للمستقبل» إلى عبء اقتصادي أصبح مؤثراً في خيارات الأسر.
- الضغوط الاقتصادية وارتفاع كلفة تربية الأبناء.
- تصاعد مشاركة المرأة في سوق العمل وتعليم أعلى.
- تأخر الزواج وزيادة معدلات الطلاق.
- تغيرات ثقافية ومجتمعية في نظرة الأسر للأمومة والأبوة.
«تقريباً على نفس المنحى»
وصف الباحث التونسي في الديموغرافيا، علي بن زينة، دول المغرب العربي بأنها «تقريباً على نفس المنحى» فيما يخص هذا التحول الديموغرافي، متوقعاً استمرار انخفاض معدلات الخصوبة على المدى الطويل استناداً إلى دراسة لمؤسّسة فرنسية صدرت أواخر ماي.
تحوّلات في السلوك العائلي والقرار الإنجابي
يرى باحثون آخرون أن انخفاض الخصوبة يعكس اتصالاً وثيقاً بالحداثة والحياة الحضرية. الباحث حسن كسار اعتبر أن الحالة في تونس مثال على تأثير نمط الحياة المديني، فيما أوضحت الباحثة شيماء دريوي أن قرار عدم الإنجاب أو تأجيله أصبح بالنسبة لعدد متزايد من الأسر «قراراً عقلانياً» في ظل واقع اقتصادي متغيّر. وقالت دريوي إن كثيراً من الأسر لم تعد تعتبر الأطفال استثماراً مكتفياً اقتصادية كما كان الحال سابقاً.
كما تبرز شواهد ميدانية بسيطة من تجارب أسرية؛ فقد روَت امرأة جزائرية تبلغ من العمر 42 عاماً وأنجبت ابنتها في سن 38 أنها لن تنجب مجدداً لمراعاة التحديات الصحية والنفسية والجسدية المرتبطة بالأمومة في وقت متأخر.
انعكاسات ممكنة وتحديات سياساتية
هذا التحول الديموغرافي يحمل معه آثاراً متعددة على مستوى السياسات العامة في الجزائر: من تمويل نظم الضمان الاجتماعي والمعاشات، إلى التخطيط للتعليم والصحة وسوق الشغل. كما يطرح أسئلة حول طرق دعم الأسر وتشجيع التوازن بين العمل والحياة الأسرية، وإمكانات تبني سياسات تشجيعية للإنجاب أو لتيسير تربية الأطفال دون تثقيل الأعباء الاقتصادية عن الأسر.
يبقى أن متابعة تطور هذه المؤشرات الوطنية والإقليمية، وتحليل مكوّناتها التفصيلية حسب الفئات العمرية والمناطق، ضرورية لصياغة سياسات فعّالة تستجيب لتداعيات التغير الديموغرافي وتحافظ على توازن مستقبلي مستدام.
المعطيات الواردة في هذا التقرير استندت إلى دراسة للمؤسسة الفرنسية المعنية بالديموغرافيا وتغطيات صحفية تناولت انخفاض معدلات الخصوبة في دول المغرب العربي.