تقدّم أعمال الفنان المعروف باسم بشار الحروب عالماً بصرياً مضغوطاً وموحياً، حيث تتحوّل أشكال الدمار إلى جسد تتقاذفه النار وتكشفه الطبقات. في مجموعة نصية تحليلية متركّزة حول لوحاته، تتكرّر صورة "القيامة" كعائد شبحٍ ناشط، لا يكتفي بالإشارة إلى أثر الاحتراق بل يظل نابضاً بما يشبه الحياة الباقية داخل الخراب.
السطح كجسد محمي ومفضوح
يُنقل المشاهد في أعمال بشار من قراءة سطحية للنسيج إلى إحساسٍ بحضور داخلي؛ إذ يغطّي السطح بطبقات من الشوك والنتوءات والمواد المتفحمة ليؤدي دوراً مزدوجاً: جلد يحمي وما يكمن تحته، وفي الوقت نفسه يكشف عن تمزّق وتهتّك. تبدو هذه الطبقة الأولى والأخيرة بمثابة قشرةٍ تحاول الإمساك بما تبقّى من لحم وعظام وعضلات.
"تبدو 'القيامة' عودة شبحية إنما نابضة تحمل آثار احتراقها ولا تتخلى عن الحياة"
تأخذ هذه الخاصية المركّبة لسطح اللوحة معنىً مأسوياً؛ فالخشونة والتمزّق لا تشيران فقط إلى فعل التدمير، بل إلى محاولة حفظ بقايا هوية ومكان وحياة، وإن كانت مشوّهة ومتحوّلة.
الحيوانات والمكان: ذاكرة محمولة
يلجأ الفنان إلى إدماج الحمار والحصان ضمن نسيج اللوحة، وهما، وفق التحليل، ليسا مجرد عناصر زخرفية بل «حاملا ذاكرة». الحصان يستحضر هالة الفروسية والحركة، بينما الحمار يمثّل الصبر والعمل والصمت. في كثير من اللوحات يبدو الحصان على حافة السقوط أو النهوض، حالة زمنية معلّقة بين الانهيار والارتفاع، ما يمنح المشهد بعداً درامياً متوتّراً.
- الأحمر: لون اللحم والحريق، يحمّل شعور الغياب والحضور في آن.
- الأشواك: تمثّل الجلد الذي يتصدّع ويكشف ما بداخله من آلام.
- البنى المحترقة: تبدو كهيكل عظمي للمكان، ما يجعل المبنى نفسه جسداً مُشوّهاً.
الأسلوب والمواد: احتكاك الملمس بالمعنى
يُلاحظ في الأعمال اعتمادٌ على طبقات مادة تُشبه القشرة الكربونية أو الكلسية، وكأن المادة احترقت جزئياً ولم تَمنح النار انتصارها الكامل. هذا الاحتكاك بين المادة والمعنى يجعل من اللوحة مساحة زمنية متكلسة، تحفظ أثر اللحظة العنيفة بدل محاكمته أو تفسيرها.
| العنصر | الدلالة |
|---|---|
| السطح الشائك | جلد يحمي ويشي بتشققه عن وجود داخلي |
| الأحمر الكثيف | رائحة اللحم وذكرى الحريق والدم |
| الحصان/الحمار | ذاكرة الحركة/ذاكرة العمل والصبر |
قراءة سياقية: عن الحرب والوجود
في مستوى أعمّ، لا تدعو أعمال بشار إلى تشاؤم بحت ولا إلى تبسّط في التأويل؛ بل تسعى إلى تثبيت تجربة وجودية متروكة لآثارها. المباني تظهر كأجساد ممزقة، والأشياء المتناثرة تمنح المكان صفة كائنٍ مجروح. هذه الرؤية تضع العمل الفني في خانة شهادة بصرية تتعامل مع آثار الحرب والدمار كموجودات حية لا كرمادٍ مضى.
من زاوية فنية، يمكن اعتبار تكثيف المادة واللون والتشخيص الحيواني كنوع من الخريطة العاطفية التي ترصد تحوّل المكان إلى ذاكرة جسدية. المشاهد لا يقرأ لوحة من باب الجمال فحسب، بل يقرأها كمرآة للانكسار والصمود معاً.
أثر محلي وإنساني
مهما تنوعت الخلفيات الجغرافية للمشاهدين، تبقى هذه الأعمال قادرة على استدعاء مشاعر مشتركة: فقدان، صمود، وحنين لماضٍ امتدّت فيه الحركة والحياة. في سياق الجنوب الغربي ومناطق مرت بتجارب عنف وتغيّر، يمكن لأمثال هذه الأعمال أن تكون محطّ تفكير وتأمل في كيفية المحافظة على الذاكرة الجمعية والتعامل مع وجعها بصرياً.
ختاماً، تقدم لوحات بشار الحروب فضاءً بصرياً مكثفاً يربط بين المادة والمعنى، حيث يتحوّل العدم إلى وجود مؤلم ومتحفّظ عليه. تبقى الدعوة مفتوحة أمام المثقفين والنقاد والجمهور لمواصلة قراءة هذه النوافذ الفنية والبحث في دلالاتها المجتمعية والإنسانية.
فاطمة الزهراء قندوز
مراسلة من بشار