تزايدت حدة النقاشات في الجزائر حول «إصلاحات التربية» ومكانة اللغة الفرنسية في المناهج، بعدما تحولت الخلافات إلى مواجهة سياسية وفكرية علنية بين شخصيتين بارزتين هما عبد الرزاق مقري، الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم، وعثمان معزوز رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية. وتوسّعت المناقشات لتشمل مسائل الهوية ودور الدين في الدولة وحدود التأثيرات التاريخية والثقافية المرتبطة بالاستعمار.
صراع نماذج تربوية ومواقف معلنة
في منشورات وتصريحات متبادلة، اتّخذ خطاب الطرفين طابعاً تصعيدياً، إذ ركّز مقري على نقد التيار العلماني واتهمه بـ«الخدمة لفرنسا» والسعي للحفاظ على امتدادات ثقافية مرتبطة بها، مع التشكيك في مواضع تأثيره الحقيقي داخل المجتمع الجزائري. من جهته، عبّر المعسكر العلماني عن دفاع واضح عن مكانة الفرنسية في بعض الميادين، واعتبر أن قضايا اللغة يجب معالجتها بتوازن بين الحفاظ على الهوية الوطنية والانفتاح على اللغات الأجنبية الضرورية للعلوم والتقنية.
تتسم مداخلات مقري بمحاولات لإعادة ترتيب المسألة في إطار صراع مشروعين: أحدهما يضع تعزيز اللغة العربية والانتقال إلى الإنجليزية كلغة علمية كخيار استراتيجي، والآخر يتّهمه بالمحافظة على روابط ثقافية ولغوية مع فرنسا. ويرى بعض المراقبين أن الطرح يخرج من حقل النقاش التربوي إلى الساحة السياسية الأوسع.
محاور النزاع وتأثيرها على المدرسة
يتركز الخلاف على محاور رئيسية يمكن تلخيصها كما يلي:
- مكانة اللغة الفرنسية في المناهج والمجالات العلمية والتقنية.
- مفهوم العلمانية وحدود تطبيقها في المدارس والمؤسسات العمومية.
- الهوية الوطنية وكيفية التداول مع إرث الاستعمار والتعدد اللغوي.
وتواجه وزارة التربية والجهات المعنية تحدياً في بلورة سياسة لغوية وتربوية متوازنة تراعي متطلبات التعليم والبحث العلمي وكذلك الحساسيات الاجتماعية والسياسية.
«كيف يمكن لقوى لم تستطع المنافسة في الاستحقاقات الشعبية أن يكون لها تأثير في قرارات مهمة؟»، تساءل عبد الرزاق مقري معتبراً أن دفاع البعض عن الفرنسية مرتبط بتموضع سياسي وثقافي.
استندت مداخلات مقري إلى قراءة تاريخية للعلمانية، معتبراً أنها ظاهرة غربية ولدت نتيجة صراع بين الكنيسة والدولة، بينما يختلف السياق في العالم الإسلامي. كما ميّز بين «علمانيين معتدلين» يقبلون فصل المؤسسات الدينية عن الدولة دون إقصاء الدين، و«علمانيين متشددين» يسعون بحسب وصفه لمحاصرة الإسلام في المجال العام.
ردود فعل المجتمع المدني والأحزاب
أثارت هذه المواقف ردود فعل واسعة داخل الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والفاعلين التربويين. بعض الأصوات دعت إلى تهدئة الخطاب وإبقاء النقاش داخل المؤسسات التربوية المختصة بدل تحويله إلى مناصرة سياسوية، بينما ضغط آخرون للمضيّ في إصلاحات تعليمية تتعامل مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
| المسألة | موقف مقري | الموقف العلماني |
|---|---|---|
| اللغة الأجنبية | تعزيز العربية والانتقال إلى الإنكليزية | الاحتفاظ بمكانة الفرنسية مع مراعاة الانفتاح |
| العلمانية | تمييز بين معتدل ومتشدّد، ورؤية نقدية لتطبيقها غربي الأصل | فصل المؤسسات الدينية عن الدولة وفق تصورات مدنية |
يرى مختصون أن أي قرار بشأن المناهج يتطلب حواراً واسعاً يشمل أرباب الاختصاص، الأساتذة، الأولياء، والهيئات الثقافية لضمان تطبيق إصلاحات تراعي الأبعاد اللغوية والثقافية والاقتصادية.
خلاصة وتداعيات محتملة
يعكس التصعيد بين مقري ومعزوز تعقيدات ملف التعليم في الجزائر، الذي يتقاطع فيه الطموح إلى تحديث المدرسة مع اعتبارات ثقافية وتاريخية وسياسية. وستبقى مسألة اللغة والعلمانية عناصر مركزية في أي نقاش مستقبلي حول المناهج، فيما يتعيّن على الجهات الرسمية إرساء آليات حوار تشاركي لتفادي المزيد من الاحتقان وإعطاء الأولوية للمصلحة التربوية للجيل الصاعد.
مهدي سالمي، مراسل من الجزائر العاصمة